لسان الدين ابن الخطيب

200

الإحاطة في أخبار غرناطة

وقد أخمدت نار الخليل بنورها * وكان لموسى عن أشعّتها بهت وهبّت لروح اللّه روح نسيمها * فأبصره الأعمى وكلّمه الميت وسار بها المختار سيري لربّه * إلى حيث لا فوق هناك ولا تحت هنيئا لمن قد أسكرته بعرفها * لقد نال ما يبغي وساعده البخت ومن نثر الأستاذ الجليل أبي القاسم بن خلصون المترجم به ، قوله من رسالة : وصلني أيها الابن النّجيب ، المخلص الحبيب ، كتابك الناطق بخلوص ودّك ، ورسوخ عهدك ، وتلك سجيّة لائقة بمجدك ، وشنشنة تعرف من والدك وجدّك ، وصل اللّه أسباب سعدك ، وأنهض عزم جدّك ، بتوفيق جدّك ، وبلّغك من مأمولك أقصى قصدك . فلتعلم أيها الحبيب أن جناني ، ينطوي لكم أكثر مما ينشره لساني ، فإني مغرى بشكركم وإن أعجمت ، ومفصح بجميل ذكركم وإن جمجمت ، لا جرم أنّ الوقت حكم بما حكم ، واستولى الهرج فاستحكم ، حتى انقطعت المسالك ، وعدم الوارد والسّالك ، وذلك تمحيص من اللّه جار على قضيّة قسطه ، وتقليب لقلوب عباده بين إصبعي قبضه وبسطه ، حين مدّ على الخليقة ظلّ التّلوين ، ولو شاء لجعله ساكنا ، ثم جعل شمس المعرفة لأهل التّمكين ، عليه دليلا باطنا ، ثم قبض كل الفرق عن خاصيته قبضا يسيرا ، حتى أطلع عليهم من الأنس بدرا منيرا . وإلى ذلك يا بنيّ ، فإني أحمد اللّه تعالى إليك على تشويقه إيّاك إلى مطالعة كتب المعارف ، وتعطّشك للورود على بحر اللّطائف . وإنّ الإمام أبا حامد « 1 » ، رحمه اللّه ، لممن أحرز خصلها ، وأحكم فرعها وأصلها ، لا ينكر ذلك إلّا حاسد ، ولا يأباه إلّا متعسّف جاحد . هذا وصفه ، رحمه اللّه ، فيما يخصّه في ذاته . وأما تعليمه في تواليفه ، وطريقه التي سلكها في كافّة تصانيفه ؛ فمن علمائنا ، رضي اللّه عنهم ، من قال : إنه خلط النّهاية بالبداية ، فصارت كتبه أقرب إلى التّضليل منها إلى الهداية ، وإن كان لم يقصد فيها إلّا النّفع فيما أمّه من الغرض ، فوجد في كتبه الضّرر بالعرض ، وممن قال بهذا الفقيه الحكيم أبو بكر بن الطّفيل « 2 » ، قال : وأما أبو حامد ، فإنه مضطرب التأليف ، يربط في موضع ، ويحلّ في آخر ، ويتمذهب بأشياء ، ويكفر بها ، مثل أنه كفّر الفلاسفة باعتقادهم أن المعاد

--> ( 1 ) هو حجة الإسلام محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي ، الفيلسوف الصوفي ، ولد بطوس بخراسان سنة 450 ه وتوفي بها سنة 505 ه . وفيات الأعيان ( ج 4 ص 58 ) والوافي بالوفيات ( ج 1 ص 274 ) . ( 2 ) هو أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي الأندلسي ، المتوفّى سنة 581 ه ، وقد ترجم له ابن الخطيب في الجزء الثاني من الإحاطة .